تضع الانتخابات النصفية الأمريكية في 3 نوفمبر أمام المتداولين حدثًا مهمًا يحمل فرصًا ومخاطر، لكن أكبر تحركات الأسواق قد لا ترتبط كثيرًا بالحزب الذي يحسم السيطرة على الكونغرس في النهاية.
أرى أن الفرصة تكمن في تحديد ما احتسبته الأسواق بالفعل في الأسعار، وأين قد تخالف النتائج التوقعات، وكيف ستغيّر النظرة إلى السياسة المالية وعوائد سندات الخزانة والأطر التنظيمية وأرباح الشركات.
ومع قيادة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي لأداء الأسهم، وضغط عوائد السندات المرتفعة على التقييمات، واستمرار المخاطر الجيوسياسية في إبقاء أسواق الطاقة في حالة ترقب، تأتي الانتخابات عند مرحلة لافتة من دورة الاقتصاد الكلي.
فالهدف لا يقتصر على توقّع النتيجة السياسية. بل يتمثل في تحديد الأصول التي قد تشهد أكبر إعادة تسعير، والأسواق التي تعكس هذا التغيّر بأوضح صورة.
لماذا تهمّ الانتخابات النصفية الأمريكية المتداولين؟
لا تحسم الانتخابات النصفية هوية الرئيس، لكنها قد تغيّر بصورة جوهرية قدرة الإدارة الأمريكية على تنفيذ سياساتها.
وقد يعزز فوز الديمقراطيين بمجلسَي الكونغرس الرقابة على الإدارة، ويقيّد بعض بنود أجندة ترامب التشريعية، ويزيد احتمالات الجمود السياسي. أما استمرار سيطرة الجمهوريين، فسيمنح الإدارة مساحة أوسع للمضي قدمًا في أولوياتها.
والأهم أن حجم الفوز الانتخابي له دلالته. فالأغلبية الحاسمة تمنح الحزب قدرة أكبر على تمرير التشريعات مقارنةً بأغلبية ضئيلة، مع بقاء حق الرئيس في النقض والقواعد الإجرائية لمجلس الشيوخ من القيود المهمة.
وبالنسبة إلى المتداولين، ينعكس ذلك على توقعات الإنفاق الحكومي والضرائب والتنظيم والتضخم، ومن ثم أسعار الفائدة.
وقد تظهر أكبر التحركات في الأسواق عندما تختلف النتيجة اختلافًا جوهريًا عن توقعات السوق، لا سيما إذا كان المستثمرون قد تمركزوا بكثافة تحسبًا لنتيجة بعينها.
ماذا تُظهر التجارب التاريخية عن التداول خلال انتخابات التجديد النصفي الأمريكية؟
ماذا يخبرنا التاريخ عن تداول الأسواق خلال انتخابات التجديد النصفي الأمريكية؟
في انتخابات التجديد النصفي الخمس بين عامَي 2006 و2022، حقق مؤشر ناسداك 100 والذهب أداءً إيجابيًا عمومًا خلال الشهر السابق للتصويت، بينما مال مؤشر الدولار الأمريكي إلى التراجع.
متوسط العوائد في انتخابات الأعوام 2006 و2010 و2014 و2018 و2022، استنادًا إلى البيانات التاريخية المتاحة.
وتبرز 3 ملاحظات:
- الدولار: تراجع الدولار في 3 من الأشهر الخمسة السابقة للانتخابات، لكن متوسط أدائه خلال الشهر التالي للتصويت كان شبه مستقر. ولا توجد أدلة كافية على اتجاه موثوق للدولار بعد الانتخابات. لا تظهر أدلة كافية على اتجاه موثوق للأسواق بعد الانتخابات.
مؤشر ناسداك 100: ارتفع المؤشر في 4 من الأشهر الخمسة السابقة للانتخابات، وحقق مكاسب بمتوسط 1.94% خلال الشهر التالي. لكن عام 2018 شهد تراجعًا بنسبة 2.44%، ما يبرز تأثير السياسة النقدية ومعنويات المخاطرة الأوسع. لكن عام 2018 شهد تراجعًا بنسبة 2.44%، ما يبرز تأثير السياسة النقدية ومعنويات المخاطرة الأوسع.
الذهب 2309 ولعل أداء الذهب هو الملاحظة الأبرز. تراجع الذهب في أول يوم تداول بعد الانتخابات الخمس جميعها، بمتوسط 0.97%، ثم ارتفع خلال الشهر التالي في كل مرة، مسجلًا مكاسب بمتوسط 2.40%.
تستحق هذه الأنماط المتابعة، لكن خمس حالات لا تكفي لبناء استراتيجية تداول موثوقة.
والدرس الأهم هو أن الانتخابات قد تدفع المستثمرين إلى إعادة ترتيب مراكزهم، بينما يعتمد استمرار التحرك على الظروف الاقتصادية الكلية.
مؤشرا S&P 500 وناسداك 100: هل تفتح الانتخابات الطريق أمام موجة صعود جديدة؟
تاريخيًا، تميل الأسهم الأمريكية إلى الأداء الجيد بعد انتخابات التجديد النصفي، مع عودة اهتمام المستثمرين إلى الأرباح والنمو والسياسة النقدية بعد انحسار حالة عدم اليقين السياسي.
منذ عام 1945، حقق مؤشر S&P 500 مكاسب بمتوسط يقارب 4.2% في الربع الرابع، وترتفع هذه النسبة إلى نحو 6.4% في سنوات انتخابات التجديد النصفي، وفقًا للبيانات الموسمية التاريخية المستخدمة في هذا البحث.
لكن عام 2026 يطرح مجموعة مختلفة من التحديات.
لا يزال أداء مؤشر ناسداك 100 يتأثر بقوة بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وأرباح الشركات العملاقة، وعوائد سندات الخزانة الأمريكية. ومن غير المرجح أن يؤدي فوز أي من الحزبين وحده إلى تعطيل دورة الاستثمار الهيكلية في الذكاء الاصطناعي، لكن تنظيم قطاع التكنولوجيا وسياسة الكهرباء والاستثمار في البنية التحتية قد تؤثر في شركات بعينها.
لذلك، أرى أن التركيز ينبغي أن ينصبّ بدرجة أقل على ما إذا كانت نتيجة الانتخابات ستُعدّ إيجابية أم سلبية للأسواق، وبدرجة أكبر على استجابة عوائد سندات الخزانة الأمريكية.
وقد يشكّل تراجع العوائد الحقيقية عامل دعم قويًا لأسهم الشركات النامية. وعلى العكس، قد تؤدي زيادة حادة أخرى في تكاليف الاقتراض طويل الأجل إلى الضغط على التقييمات، لا سيما مع ارتفاع توقعات الأرباح بالفعل.
وستكون الإشارة الحاسمة هي ما إذا كان صعود الأسهم في البداية سيحظى بمشاركة أوسع من المستثمرين، وتحسّن في السيولة، وبيئة مواتية لأسعار الفائدة.
الدولار الأمريكي والذهب: حيث يصبح رد الفعل الاقتصادي الكلي عاملًا حاسمًا
قد يعكس الدولار الذهب بوضوح تغيّر التوقعات المتعلقة بالسياسة المالية والنقدية.
بالنسبة إلى الدولار، تمرّ القناة الرئيسية لتأثير هذه التوقعات عبر فروق أسعار الفائدة وعوائد سندات الخزانة الأمريكية.
قد تدعم نتيجة تقلّص توقعات التوسع المالي سوق السندات، وربما تضغط على الدولار. وعلى العكس، قد تجد العملة الأمريكية دعمًا إذا تجددت المخاوف المالية أو أعادت الأسواق تسعير توقعاتها باتجاه سياسة أكثر تشددًا من مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
لكن المخاطر الجيوسياسية والطلب العالمي على سيولة الدولار قد يعقّدان هذه العلاقة.
أما الذهب، فيقدّم فرصة مختلفة.
ورغم أن أداء الذهب بعد انتخابات التجديد النصفي لافت تاريخيًا، تظل العوامل الأهم هي العوائد الحقيقية والدولار والطلب على الأصول الدفاعية.
وقد يدعم الذهبَ تزامنُ تراجع العوائد الحقيقية لسندات الخزانة الأمريكية مع ضعف الدولار. أما ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، فعادةً ما يشكلان عاملَي ضغط على الذهب، وإن كان الإقبال على الملاذات الآمنة قد يحدّ من هذا الضغط.
وفي كلا السوقين، سأنتظر تحركات الأسعار لتأكيد الاتجاه الاقتصادي الكلي، بدلًا من التداول بناءً على نتيجة الانتخابات وحدها.
أيّ قطاعات الأسهم الأمريكية والشركات قد تشهد أكبر التحركات؟
قد تظهر فرص استثمارية أوضح في قطاعات الأسهم الأمريكية نتيجة انتقال المستثمرين بين القطاعات، لا من خلال تحرك مؤشر S&P 500 وحده.
وتستحق عدة قطاعات حساسة للسياسات الأمريكية اهتمام المستثمرين:
- الرعاية الصحية: قد تؤثر سياسات تمويل الرعاية الصحية، وتسعير الأدوية، وتنظيم التأمين في أسهم UnitedHealth Group وEli Lilly وJohnson & Johnson. وقد يختلف تأثير تغيّر السياسات الأمريكية بدرجة كبيرة بين المستشفيات وشركات التأمين وشركات الأدوية.
القطاع المالي: قد تتأثر أسهم JPMorgan Chase وBank of America والبنوك الإقليمية بتغيّر توقعات متطلبات رأس المال، والرقابة التنظيمية، ومنحنى العائد.
الطاقة التقليدية والطاقة النظيفة: تختلف عوامل تأثر Exxon Mobil وChevron وNextEra Energy وFirst Solar بتراخيص المشاريع والإنتاج والحوافز الحكومية والطلب على الكهرباء.
البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والقطاع الصناعي: قد تستفيد NVIDIA وBroadcom وVertiv وEaton وQuanta Services من استمرار الاستثمار في مراكز البيانات وتوسّع شبكات الكهرباء، مع بقاء تقييمات الأسهم حساسة لأسعار الفائدة وتوقعات الإنفاق الرأسمالي. قطاع الدفاع: قد تتأثر Lockheed Martin وRTX وGE Aerospace بتغيّر أولويات الإنفاق الدفاعي وتوقعات المشتريات الحكومية.
يكمن الفارق الأساسي بين الشركات الأكثر تعرضًا مباشرةً لتغيّر السياسات، وتلك التي تعتمد أرباحها أساسًا على نمو الأرباح وأسعار السلع والدورة الاقتصادية الأوسع.
وقد تكون نتيجة الانتخابات الداعمة لقطاع ما محسوبة بالفعل ضمن تقييمات الأسهم. وقد تظهر الفرص الأكبر في القطاعات التي تتغير توقعات السياسات المؤثرة فيها على نحو مفاجئ.
أبرز الملفات السياسية المؤثرة في الأسواق خلال عام 2026
إلى جانب السيطرة على الكونغرس، أرى 4 ملفات قد تدفع إلى إعادة تسعير كبيرة في الأسواق.
1. السياسة المالية الأمريكية وإصدارات سندات الخزانة
في ظل استمرار العجز المالي وارتفاع تكاليف خدمة الدين، تبرز احتياجات الحكومة إلى الاقتراض بوصفها عاملًا يجعل سوق سندات الخزانة الأمريكية في صلب تداولات الانتخابات النصفية.
قد يحدّ انقسام الكونغرس من المبادرات المالية الجديدة، لكن الجمود السياسي لا يعني تلقائيًا ضبط الإنفاق العام.
وتضيف عملية إعادة تمويل سندات الخزانة الفصلية، التي تجري قرب أسبوع الانتخابات، عاملًا محتملًا آخر لتحريك السوق.
2. استثمارات الذكاء الاصطناعي والطلب على الكهرباء
لا يزال الذكاء الاصطناعي محركًا هيكليًا قويًا للنمو، لكن توافر الكهرباء، وقدرة شبكات الطاقة، والتنظيم الحكومي تزداد أهمية.
وتمتد الفرص إلى ما وراء أشباه الموصلات، لتشمل شركات المرافق وتوليد الكهرباء والمعدات الكهربائية والإنشاءات.
3. أسعار الطاقة والتضخم والتوترات الجيوسياسية
تظل إيران ومسارات إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، إلى جانب تكاليف الطاقة المحلية، من المصادر المهمة لمخاطر التضخم.
وقد تتأثر أسعار خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط والمنتجات النفطية المكررة بتغيّر توقعات السياسة الخارجية بدرجة أكبر من تأثرها بنتيجة الانتخابات في الكونغرس نفسها.
4. تمويل الرعاية الصحية والتنظيم المالي
إذا فاز الديمقراطيون بمجلسَي الكونغرس، فقد يصبح تمديد الدعم المعزّز للرعاية الصحية أولوية، ما من شأنه رفع العجز المتوقع في الميزانية الفيدرالية مقارنةً بانتهاء العمل بهذا الدعم، وإن ظلّ حق ترامب في النقض عقبة أمام ذلك. كما قد تؤدي التغييرات في متطلبات رأس المال المصرفي والرقابة التنظيمية إلى إعادة تسعير واسعة لأسهم القطاع المالي.
تاريخيًا، كثيرًا ما ارتفعت تقلبات الأسهم الأمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي، ثم تراجعت مع انحسار حالة عدم اليقين.
وقد تؤدي احتمالات الفوز التي تسعّرها أسواق التنبؤ، ومفاجآت استطلاعات الرأي، وتغيّر التوقعات بشأن سباقات مجلس الشيوخ إلى تقلبات في الأسواق قبل التصويت.
ومع ذلك، قد لا تكون نتيجة الانتخابات نفسها هي المحرك لأكبر تحرك في السوق.
فإذا جاءت النتيجة متوافقة عمومًا مع توقعات السوق، فقد ينخفض التقلب الضمني سريعًا. أما النتيجة المفاجئة أو المتنازع عليها، فقد تطيل أمد عدم اليقين.
ينبغي للمتداولين التمييز بين التقلب الضمني والتقلب الفعلي، ومراعاة تكاليف تنفيذ الصفقات.
قد يكون لاتساع السبريد، والانزلاق في سعر التنفيذ، والانعكاسات السريعة دورٌ كبير في صعوبة التداول خلال ليلة الانتخابات، حتى عندما يكون توقع اتجاه السوق صحيحًا.
التداول خلال ليلة الانتخابات
بدلًا من دخول الانتخابات بتوقع سياسي ثابت، سأُعدّ قائمة مراقبة تستند إلى سيناريوهات مختلفة، وأتابع تحركات السوق لتحديد مواضع ظهور أقوى الفرص.
سأركّز على المؤشرات التالية:
- عوائد سندات الخزانة الأمريكية: ولا سيما عوائد السندات لأجل 10 سنوات و30 سنة، والعائد الحقيقي. فقد تقدم هذه المؤشرات أوضح إشارة إلى كيفية تقييم الأسواق لمختلف فئات الأصول.
العقود الآجلة لمؤشري S&P 500 وناسداك 100: سأتابع التحركات المستمرة في اتجاه محدد، واتساع نطاق السوق، ومدى تأكيد عوائد السندات لهذا الاتجاه.
الدولار: سأراقب أزواج EUR/USD وUSD/JPY وAUD/USD لرصد أي تغير في توقعات فروق أسعار الفائدة ومعنويات المخاطرة.
الذهب 2309 سأركّز على العلاقة بين العوائد الحقيقية والدولار الأمريكي والمخاطر الجيوسياسية.
النفط وأسهم القطاعات: سأتابع أي تغير في توقعات السياسات الحكومية والأداء النسبي للقطاعات.
أسواق التنبؤ ونتائج انتخابات مجلس الشيوخ: سأقيّم ما إذا كانت نتيجة الانتخابات ستفاجئ الأسواق وتخالف التوقعات المنعكسة بالفعل في أسعار الأصول المالية
فالنتيجة التي يُفترض أن تدعم الأسواق، لكنها لا تجذب المشترين، قد تكون دلالتها بقدر اختراق حاسم.
وبالمثل، قد يشير تعافي السوق سريعًا بعد تراجعه الأولي واستمرار الشراء إلى أن التوقعات الاقتصادية هي المحرك، لا النتيجة السياسية.
وستكون السيولة، وحجم المراكز، والانضباط في تنفيذ الصفقات عوامل مهمة على نحو خاص عند صدور النتائج.
الخلاصة: ركّز على إعادة تسعير السوق، لا على السياسة.
قد تتيح انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 فرصًا مهمة للتداول على الأسهم والعملات والسلع وأدوات الدخل الثابت.
تشير الاتجاهات التاريخية إلى بعض الأنماط اللافتة، ولا سيما الأداء الإيجابي لمؤشر ناسداك حول انتخابات التجديد النصفي السابقة، وارتفاع متوسط عوائد الذهب خلال الشهر التالي.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الديمقراطيون أو الجمهوريون سيفوزون بالسيطرة على الكونغرس.
بل ما إذا كانت النتيجة ستغيّر التوقعات بشأن السياسة المالية، وعوائد سندات الخزانة، والتضخم، وأرباح الشركات، والتنظيم.
تكمن الفرصة أمام المتداولين في تحديد مواضع ضعف هذه التوقعات، ومراقبة استجابة الأسعار، والانتباه إلى اللحظة التي يروي فيها السوق قصة مختلفة عن العناوين السياسية.



