المنطق بسيط لكنه شديد الأثر فالمعادن خصوصاً الذهب والفضة لا تمنح عائد اسمي، لذا تتحرك حساسيتها الأساسية حول العوائد الحقيقية (العائد الاسمي مطروحاً منه التضخم) او على الاقل كانت هذه هي النظرة خلال العقد الماضي. فعندما تتراجع العوائد الحقيقية أو تتزايد توقعات تراجعها فالمستقبل ، تنخفض كلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن. وفي الوقت نفسه ، ضعف الدولار يخلق دعم إضافي لأن تسعير المعادن بالدولار يجعلها أرخص نسبياً للمستثمرين خارج الولايات المتحدة ويزيد قابلية تدفق الطلب العالمي.
لكن المهم هنا هو إدراك أن السوق لا ينتظر القرار او المخرج النهائي كي يتحرك؛ السوق يتحرك على توقع القرار والبيئة التي تمهد الطريق. لذلك حين تتسع فجوة التوقعات بين مسار الفائدة الذي تسعره الأسواق ومسار الفائدة الذي يتحدث عنه الخطاب الرسمي ، تبدأ المعادن بالتفاعل مبكراً. وهذا ما يجعل بيئة 2026 المحتملة حساسة حتى لو كانت التخفيضات محدودة ، فإن الانتقال من ذهنية التمهل في التسير إلى ذهنية التيسير كخيار مرجح يشكل ذلك هيكل المعادن وخصوصا في هذه البيئة التي لا تزال تنتظر اسم رئيس الفيدرالي القادم وهو من على الارجح سيكون يحمل تحيزات تيسيريه.
الذهب في هذا الإطار هو حجر الزاوية ، لكنه ليس الوحيد. الذهب يملك دعمين متوازيين دعم نقدي من العوائد الحقيقية والدولار ، ودعم هيكلي من مشتريات البنوك المركزية التي كانت واضحة خلال اخر سنتين. هذا الدعم الهيكلي مهم لأنه يخفف من أثر التصحيحات فعندما يتراجع الذهب عادة لا يواجه فراغ كامل في الطلب ، بل يجد أمامه مشترين استراتيجيين لا يطاردون السعر اليومي. وفي لحظات توتر السيولة أو ارتفاع المخاطر الجيوسياسية ، وهي بيئة حاضرة ، يتحول الذهب من تحوّط عادي إلى تأمين ضد عدم اليقين.

أما الفضة فتتحرك على خط مزدوج نصفها ذهب ونصفها اقتصاد حقيقي. في بيئة تيسير نقدي وضعف دولار ، تتحسن جاذبيتها النقدية ، لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتماسك توقعات الصناعة والطلب المرتبط بمكونات الطاقة الشمسية والتكنولوجيا ومن ضمنها مراكز البيانات التي تزيد الطلب في نهاية الامر على معادن الصناعة. الفضة عادة تضخم الحركة مقارنة بالذهب في الصعود كما في الهبوط بسبب طبيعتها الأكثر تقلب وسيولتها الأقل عمق بمقدار تقلب مقدر بمرة ونصف مقارنة بالذهب. لذا عندما تتغير البيئة الكلية (دولار أضعف + عوائد حقيقية أدنى) يبدأ المستثمرون بمراقبة الفضة كـنسخة ذات بيتا أعلى من الذهب ، مع الانتباه إلى أن تقلبها قد يفرض إدارة مخاطر أشد.

وهنا تأتي فكرة مهمة للمتداولين وهي نسبة الذهب إلى الفضة كرقم جمالي. ارتفاع النسبة عادة يعني أن السوق يفضل التحوّط على النمو الصناعي ، وانخفاضها يعني أن شهية المخاطرة أو التوقع الصناعي يتحسن. لذلك ، عندما تتكون قاعدة للمعادن بفعل السياسة النقدية ، تصبح النسبة من المؤشرات لتحديد ما إذا كان السوق مستعد للانتقال من الذهب إلى الفضة أي من التحوّط الصافي إلى مزيج تحوط/نمو بنكهه المضاربة وهو ما كان واضح وجلي في تداولات ديسمبر 2024.
النحاس هنا يختلف. النحاس لا يتغذى من الفيدرالي مباشرة بنفس الطريقة ، لكنه يتأثر بقوة عبر قناة السيولة العالمية والدولار ، وبشكل أعمق عبر قناة النمو العالمي والصين. إذا كان الذهب يقيس ثقة المستثمر بالنقود ، فالنحاس يقيس ثقة المستثمر في النشاط الاقتصادي الفعلي. لذلك عندما يقال إن المعادن تملك قاعدة في 2026 ، يجب التمييز مابين الذهب والفضة اللذان يملكان قاعدة أوضح بفعل السياسة النقدية ، بينما النحاس يحتاج إلى تأكيد من جانب البيانات الصناعية ، وخصوصا في اسيا ، أو على الأقل استقرار في توقعات النمو وعدم تحقيق تراجع كبير في الطلب.

ومع ذلك، هناك عامل هيكلي يدعم النحاس حتى في فترات تباطؤ النمو وهو التحول في الطاقة. شبكات الكهرباء ، السيارات الكهربائية ، ومشروعات البنية التحتية المرتبطة بالطاقة المتجددة تتطلب كثافة عالية من النحاس. هذا لا يلغي دور الدورة الاقتصادية للنحاس، لكنه يضيف طلب أساسي قد يجعل الهبوط العميق أقصر عمراً إذا تزامن مع قيود عرض أو تحسن سيولة. صحيح ان عام الطاقة يبدو انه يبتعد او يتغافل عن الطاقة الخضراء خلال العام الماضي ولكن الطلب من هذا القطاع لا يزال مستمر نظراً لان مشروعات الطاقة تتحلى بكونها مشريع طولة الاجل.
وبالحديث عن قيود العرض ، من المهم إدراك أن سوق المعادن لا يتحرك فقط بالطلب ، بل بالقدرة على الاستجابة للطلب. وهنا نبدأ بالانتقال إلى الجزء الثاني: عالم الإمداد، الجغرافيا السياسية ، والملفات الحساسة وفي مقدمتها المعادن الأرضية النادرة.
إذا كانت السياسة النقدية والدولار يمنحان المعادن قاعدة ، فإن سلاسل الإمداد تمنح المعادن شرارة. وفي 2026 ، الشرارة لا تأتي فقط من إضراب في منجم هنا أو انقطاع كهرباء هناك ، بل من ملفات أكبر وأكثر حساسية سياسياً وأهمها ملف المعادن الأرضية النادرة وهيمنة الصين عليه وهو ملف غير محلول من العام الماضي 2025.
الأسواق بدأت تتعامل مع هذه المعادن بوصفها سلع استراتيجية لا مجرد مدخل صناعي. لماذا؟ لأن المعادن الأرضية النادرة تدخل في الصناعات التي تُعرف أمن الدول وتنافسيتها في أشباه الموصلات ، أنظمة الدفاع ، البطاريات المتقدمة ، المغناطيسات الدائمة ، وتكنولوجيا الطاقة النظيفة والسيارات وغيرها. عندما تمتلك دولة واحدة (الصين) اليد العليا في سلسلة القيمة من التعدين إلى المعالجة إلى التصنيع الوسيط فهذا لا يخلق ميزة اقتصادية فقط بل يخلق رافعة جيوسياسية لها تأثيرها.
وهنا تحديداً يظهر مساران يهمان المستثمر:
سيناريو القيود/التشديد على الصادرات أو المعالجة وهي إشارات لتقييد صادرات مواد خام أو منتجات معالجة أو تشديد منح التراخيص ، تعني ارتفاع علاوة المخاطر على سلاسل الإمداد العالمية.
سيناريو الرد الغربي وهو على الاغلب إعادة التعريفات الجمركية والتصعيد التجاري إذا شعرت الاقتصادات الغربية بأن الاعتماد على الصين في مواد استراتيجية أصبح مخاطرة سياسية ، فقد تعود التعريفات العالية للواجهة ، أو تُفرض قيود على بعض الواردات ، أو تُدعم مشاريع إعادة توطين الإمداد متزامن بنبرة عدوانية.
كلا الاحتمالين يحمل أثر مزدوج على المعادن حيث يرفع كلفة الإنتاج عالمياً (خصوصاً في سلاسل الصناعات المتقدمة)، ما يخلق ضغوطاً تضخمية جزئية. ايضا ، يدفع نحو بناء مخزون احتياطي لدى الشركات والدول ، ما يخلق طلباً غير طبيعي على بعض المواد في فترات قصيرة. هذا النوع من الطلب الاضطراري يختلف عن الطلب الدوري. هو ليس نتيجة نمو اقتصادي متسارع ، بل نتيجة خوف من الانقطاع. وفي الأسواق ، الخوف من الانقطاع قد يرفع الأسعار قبل أن يحدث الانقطاع فعلياً بطبيعة الحال.
بالعودة إلى المعادن التي تحدثنا عنها ، نرى هذا المنطق يتجسد بوضوح في البلاتينيوم والبلاديوم من زاوية مختلفة فكلاهما مرتبط بسلاسل إنتاج السيارات ومعايير الانبعاثات ، لكنهما أيضاً معرّضان لمخاطر الإمداد لأن الإنتاج متركز في جغرافيا محددة.
البلاتينيوم يعتمد بشكل كبير على جنوب أفريقيا ، ومع اضطراب طاقة أو توتر عمالي أو مشاكل لوجستية ، يتحول السوق إلى سوق ضيقة بسرعة. البلاديوم كذلك حساس جيوسياسياً لأن جزء كبير من الإمداد يرتبط بروسيا وجنوب أفريقيا ، ما يفتح الباب لمخاطر العقوبات أو التقييدات او اضطرابات الإنتاج ونحوها.

لكن الفارق هنا أن البلاديوم يواجه رياحاً معاكسة هيكلية مرتبطة بتسارع التحول نحو السيارات الكهربائية – ولو ان سوق السيارات الكهربائية يمر بمرحلة تصحيح واعادة تموضع بين الشركات - وبالاستبدال التدريجي لصالح البلاتينيوم في بعض الاستخدامات حين تتسع الفجوة السعرية. لذلك ، في عقل المستثمر طويل الاجل ، البلاديوم أصبح أقرب إلى تداول تكتيكي مرتبط بدورات السيارات البنزين ومفاجآت العرض ، بينما البلاتينيوم يملك رواية أكثر توازناً عبر (طلب سيارات + استبدال + هيدروجين).
أما النحاس فيتأثر بقوة من زاوية الإضرابات والاضطرابات العمالية ، خصوصاً أن إنتاجه متركز في دول مثل تشيلي وبيرو ، حيث يمكن للإضرابات أو التشديد البيئي أو مشاكل التراخيص أن تخفض المعروض في وقت تكون فيه المخزونات العالمية حساسة للمعدن ككل. ومع النحاس تحديداً ، ارقام المخزونات الاسبوعية مقياس للضيق فحين تنخفض المخزونات ، يصبح السوق سريع الاشتعال ، والاخبار السلبية على العرض تنعكس بشكل كبير.
وبالنسبة إلى الفضة ، القيود على العرض أكثر تعقيداً لأن جزء كبير منها يأتي كمنتج ثانوي من تعدين معادن أخرى. وهذا يعني أن ارتفاع سعر الفضة وحده لا يضمن ارتفاع الإنتاج بسرعة ، لأن قرار الإنتاج يتبع اقتصاديات المعدن الرئيسي (كالزنك أو النحاس). هذه نقطة يستخف بها البعض ، لكنها تفسر لماذا يمكن للفضة أن ترتفع بسرعة عندما تتزامن عوامل الطلب الصناعي مع قيود العرض.
إذا استمر الدولار ضعيفاً وتزايدت قناعة السوق بتيسير نقدي ممتد في 2026 ، فهذا يمنح المعادن تحضى بمظلّة دعم. إذا تزامن ذلك مع تصاعد ملف المعادن الأرضية النادرة والتوتر التجاري واحتمال عودة التعريفات ، فهذا يضيف علاوة للمعادن الصناعية والمواد المرتبطة بسلاسل التقنية والطاقة. والعنصر الازلي ، خطر الإضرابات أو تعطل الإنتاج في مناطق التعدين الرئيسية ، اذا حصلت فقد تتحول تلك المعظلة إلى حركة أسعار أكثر حدة.
بمعنى آخر القصة للمعادن ليست صعود دائم ، بل هي ارتفاع في احتمالات التحركات الكبيرة. وهذا ما يجعل إدارة المخاطر جزء لا يتجزأ من هذا النظرية الاستثمارية.
كثيراً ما تكون الفرص الأكثر نظافة في مثل هذه البيئات هي الفرص النسبية لا المطلقة مثل مراقبة الفروقات بين المعادن النفيسة والمعادن الصناعية ، أو تتبع تحولات النسب (مثل الذهب / الفضة) ، أو متابعة فجوة البلاتينيوم / البلاديوم كمؤشر على الاستبدال الصناعي. هذه طريقة تفكيرعملية عندما يصبح المستقبل غير مؤكد ومتقلب حيث يفضّل المستثمرون أحياناً الرهانات التي تعتمد على فرق بين أصلين بدلا من اتجاه أصل واحد فقط.
الاهتمام المتزايد بالمعادن نتيجة منطقية لمعادلة قائمة تتشكل في دولار أقل قوة + سياسة نقدية تميل للتيسير + عالم أكثر انقسام تجاري + سلاسل إمداد اكثرهشاشة وتشتت. وفي 2026 ، يبدو أن هذه العوامل لا تعمل منفردة ، بل تتراكم فوق بعضها البعض.
قد لا تتحرك المعادن كلها بنفس الإيقاع وبكن الذهب يقود عندما ترتفع المخاطر ، الفضة تتفوق عندما يلتحق الاقتصاد الحقيقي بالصورة ، النحاس يحتاج إلى إشارات نمو أو تحفيز صيني ليؤكد الاتجاه ، والبلاتينيوم/البلاديوم يعيشان على خط توازن في مؤشرات الصناعة.
المعادن أصبحت تعكس هشاشة الجغرافيا السياسية والإمداد. وفي عالم يتجه لإعادة صياغة وتأمين الأمن الاقتصادي وموادّه الخام ، قد يكون هذا القطاع في قلب النقاش الاستثماري في 2026 أكثر مما اعتدناه خلال الاعوام السابقة.