صورة السوق تبدو أشبه بسباق بين ارتفاع العوائد الطويلة الأجل في سندات الخزانة الأميركيّة ورغبة المستثمرين في إبقاء عجلة المخاطرة دائرة. خفض موديز تصنيفَ الدَّن السيادي الأميركي إلى Aa1 ليلة الجمعة لم يأتِ بجديد على صعيد المعنويات فالعجز الفيدرالي المتمدِّد، وتكاليف الفائدة المتضخّمة، وزيادة الإصدارات المتوقعة الان والى 2026، أمورٌ يَحسب لها السوق حسابه منذ وقت. ومع ذلك، منحَ الحدث فرصةً للراغبين في بناء تمركزاتٍ طويلة على السندات مع وصول عائد الثلاثين عاماً إلى 5.03 % المستوى ذاته الذي استدرج المشترين في مطلع العام. دخول السيولة دفع العائد إلى الجانب السلفي عند 4.91 %، فيما يستقر عائد العشر سنوات عند 4.45% ؛ إشارةٌ إلى أنّ سقف الخمسة في المئة يظلّ خط الدفاع الأول للمدافعين عن القيمة والباحثين عند العوائد الخالية من المخاطر.
هذا الانعطاف في منحنى العائد انعكس فوراً على المزاج في وول ستريت. S&P 500 وناسداك 100 التي بدت مثقلة في جلسة آسيا استردّت عافيتها مع تراجع العوائد، لتغلق الأولى مرتفعة بشكل جانبي في سادس جلسة صعود متتالية. الأهمّ من الرقم أن شهية شراء التراجعات ما زالت نشاطاً يوميّاً، لكن الملاحَظ أنّ الزخم أمس توزّع على أسهم الرعاية الصحيّة والصناعات والخدمات العامّة وليس بشكل اساسي في التكنولوجيا وحدها في سلوك يشير على اتّساع قاعدة المُشترين. تشير العقود المستقبلية لمستويات المؤشر الى مستويات اعلى وفوق المتوسط المتحرك وخطّ اتجاهٍ صاعدٍ منذ منتصف أبريل. الرقم الكبير 6000 نقطة يمثّل منطقة نفسية تجذب الاهتمام، غير أنّ الاختبار الحقيقي يكمن في البقاء فوقه. تجاوز هذا الحاجزالنفسي يُوجّه الأنظار الى اختبار القمّة التاريخيّة. حتى ذلك الحين، قد يُفضّل السوق الاستراحة في نطاق تذبذب ضيّق خصوصاً قبيل إعلان نتائج إنفيديا الأسبوع المقبل، إذ باتت ربحية صانع الرقائق معياراً لقياس حرارة القطاع بأسره وهو ما بدوره يساهم في تشكيل معنويات السوق كلل.
وفي عالم العملات، بدا الدولار متردد في اتخاذ مسار واكد سلوك التداول في نطاق ضيق. مؤشر الدولار اغلق عند 100.32 مع ضغوط بيعٍ أمام العملات الخطرة، رغم مساعدةٍ خجولة من تراجع اليورو الجانبي عن 1.1288 القراءة هنا أن انحسار العائد الحقيقي، وتزايد الرهانات على بلوغ الفائدة الفيدراليّة ذروتها، يتركان العملة الخضراء عُرضةً لأيّ مفاجأة تضخّمية مقبلة. ليس شعور أحاديّ الاتجاه، لكنّ ميزان المخاطر حالياً يميل إلى خسارة العائد النسبي.
الذهب ، حارس التوازن في محفظة الكثيرين ، استعاد بعض بريقه في جلسة آسيا حين اقترب من ملامسة 3250 دولاراً، مستكملاً ارتداداً بدأ عند متوسّطه المتحرّك لخمسين يوماً المستوى الذي اعلى دعم خلال جلسات الاسوع الماضي.3300 دولاراً عائقاً نفسياً، في حين يمثّل 3175 دولاراً خطَّ دفاع المشترين. ما يثير الانتباه هو أنّ الارتباط السلبي بين الذهب والدولار حافظ على متانته، ما يمنح المعدن دعماً مزدوجاً: تراجع العوائد الحقيقية وتذبذب العملة الأميركية. ومع قول ذلك ، بأن حركة الذهب مقابل التعريفات الجمركية لا تزال تحفز محنويات المستثمرين وكنتيجة اعتقد ان الذهب سيبقى عند مستويات مرتفعة الى اضاح الصورة بشأن الاتفاقيات التجارية التي تم تأجيلها منذ ابريل.
في مكان اخر ، الاحتياطي الأسترالي الأسواق بخفضٍ قوامه 25 نقطة أساس، كما كان متوقع ، دافعاً الدولار الأسترالي إلى 0.6432 أمام نظيره الأميركي. بالتوافق مع الاجماع الاقتصادي ، التضخم انخفض بشكل لائق خلال الفترة الماضية وهو ما يسر الطريق نحو قرار سهل هذه المرة نحو التخفيض ويتوقع ان سيتمر الاحتياطي الاسترالي في تيسير السياسية النقدية ولكن ذلك مرتبط بارقام التوظيف ومؤشر اسعار المستهلك لتحديد سرعة ذلك. التحرك يذكّرنا بأنّ دورة السياسات النقدية عالميّاً لم تتوحّد بعد فكل بنكٍ مركزي يزن مخاطر التضخم والنموّ وفق سياقه المحلي بطبيعة الحال وهو ما يعني تناغمٌ أقلّ وربما تذبذب اكبر.
أمّا خفض موديز للتصنيف، فبقي حدثاً مورِّداً للعناوين أكثر منه محرّكاً للأسعار. مكانةُ الولايات المتحدة كمُصدِّر للعملة الاحتياطية العالمية ستستمر اكبر من قدرةً وكالات التصنيف على هزّ ثقة المستثمرين. سابقة ستاندرد أند بورز فيتش قبل عامين تُثبت أنّ السوق يقرأ العجز والفجوة التمويلية بعينيه، لا بعين وكالة تصنيف. الخطر الحقيقي يكمن في سيناريو تُجبَر فيه الخزانة على زيادة الإصدارات بسرعةٍ أعلى من توقّعات السوق، أو تتسبّب مفاجأة تضخّمية في رفع الفيدرالي للفائدة فوق المسار المُسعر حاليّاً. في هذه الحال، قد يتّسع تسعير المخاطر وتتقلّص شهيّة المخاطرة سريعاً. ولكن هذا ليست الحالة الحالية للاسواق وعلى كل حال لن تتنظر الاسواق تصريحات وكالات التصنيف لتقوم بإعادة تقييم المخاطر انما يتم القيام بها في الوقت الحقيقي وفقا للمستجدات. إجمالاً، العوائد الطويلة الأجل تستقر قرب مستويات جاذبة للمشترين، لكنّها تبقى كافيةً لزعزعة تقييمات الأسهم إذا ما شقّت طريقها إلى الأعلى مجدّداً.