تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% ، مع الإشارة إلى إمكانية رفعها إلى 25% لاحقاً ، أعادت ملف التجارة إلى المشهد ، ولكن هذه المرة ضمن سياق جيوسياسي أوسع مرتبط بملف غرينلاند والنفوذ الأميركي في القطب الشمالي. توقيت التصريحات خلال نهاية الاسبوع قد يكون مصادفة فالأسواق الأميركية مغلقة اليوم ، ما يجعل اكتشاف الأسعار محصور بأسواق العملات والسلع والعقود الآجلة ، حيث تميل التحركات عادة إلى المبالغة في رد الفعل في ظل ضعف السيولة.
من الجانب الأوروبي ، برزت فرنسا كأكثر الأصوات تشدد بالدعوة إلى النظر في استخدام أداة مكافحة الإكراه التابعة للاتحاد الأوروبي ، في حين تشير تقارير إلى استعداد بروكسل لحزمة رسوم انتقامية تصل إلى 93 مليار يورو على سلع أميركية ، جرى إعداد قائمتها العام الماضي وتعليقها حتى الشهرالقادم. هذه التحركات تهدف بالدرجة الأولى إلى خلق أوراق ضغط تفاوضية قبل الاجتماعات السياسية والاقتصادية المقبلة ، بما في ذلك منتدى دافوس.
مع ذلك ، فإن اللجوء إلى التصعيد يحمل مخاطر واضحة على أوروبا فالتاريخ يُظهر أن الرسوم الجمركية غالباً ما تتحول إلى عبء على المستهلك النهائي ، وسيكون المستهلك هو من يتحمل جزء كبير من التكلفة ، ما يجعل التهديد الأوروبي أقل فاعلية من الناحية الاقتصادية. في هذا الإطار ، تبدو لهجة واشنطن أقرب إلى تكتيك تفاوضي قائم على طرح أسوأ السيناريوهات أولاً ثم فتح باب التسويات لاحقا مع احتمالية استخدام أوراق ضغط إضافية مثل ملف حلف الناتو إذا مضى الاتحاد الأوروبي في مسار الرد.

في ظل هذه البيئة ، تبرز المعادن الثمينة كالمستفيد الطبيعي من عودة المخاطر السياسية الى الواجهه. الذهب والفضة يواصلان التحرك ضمن اتجاه صاعد مدعوم بمزيج من الطلب التحوطي الاضافي، وتراجع شهية المخاطرة في الاسهم ، وعوامل كلية أكثر عمق ، أبرزها توقعات السياسة النقدية وضعف الدولار على المدى المتوسط. عودة التوتر التجاري بين أوروبا والولايات المتحدة تضيف دعم للذهب تحديداً. فالمعدن الأصفر بات أداة للتحوط من التفكك الجيوسياسي وتزايد النزعات الحمائية.
في هذا السياق ، تبدو مستويات الخمسة آلاف دولار للأونصة هدف متوسط الأجل مطروح على الطاولة ، وليس فقط سيناريو شديد التفاؤل ، خاصة إذا استمرت لغة التصعيد أو اتسعت رقعتها. أيضاً تعكس الفضة زخم مشابه ولكن مع حساسية أعلى للتقلبات ، نظراً لطبيعتها المزدوجة كأصل نقدي وصناعي. ومع غياب الأسهم الأميركية عن التداول اليوم ، يُتوقع أن تبقى المعادن التعبير الافضل عن المزاج الدفاعي السائد ، إلى أن تتضح معالم التفاوض السياسي. الصورة العامة تشير إلى أن الأسواق لا تتجه بالضرورة نحو اضطراب شامل على غرار أزمات سابقة ، بل أمام مرحلة شد وجذب سياسي حيث تكون فيها المعادن الثمينة الرابح المرحلي الأبرز من حالة عدم اليقين.