
عاد الذهب ليؤكد أنه أصل حساس للمتغيرات الكلية والديناميكيات الفنية في آن واحد. التحركات الأخيرة في الذهب مقابل الدولار لم تكن تذبذب اعتيادي في السياق التاريخي، بل اختبار حقيقي لكلا طرفي التوزيع الإحصائي للعوائد اليومية منذ عقود، حيث شهدنا اندفاع قوي نحو القمم تلاه ذوبان ، في مشهد يعكس سوق انتقل مؤقتا من زخم أحادي الاتجاه إلى بيئة تتسم بتطرف في التحركات.

خلال الأسابيع الماضية لامست العوائد اليومية مستويات تقع ضمن نطاق أحداث نادرة إحصائياً سواء على الجانب الإيجابي أو السلبي. تسجيل جلسات صعود قوية أعقبها هبوط حاد يعكس اتساع ملحوظ في التذبذب المحقق مقارنة بمتوسطه السنوي ، وهو ما يشير إلى أن السوق دخل مرحلة تسارع مفرط قبل أن يبدأ في إعادة التوازن. هذا السلوك يظهر غالبا عندما تتضخم المراكز الاستثمارية في اتجاه واحد ثم يتم تصفيتها بسرعة مع تغير المعطيات أو تشبع الزخم واخذ الارباح.
اختبار طرفي التوزيع في فترة زمنية قصيرة يحمل دلالة مهمة فندما يتحرك أصل مالي بهذه الطريقة يكون السوق في مرحلة انتقالية بين نظام تسعير قائم على الزخم ونظام أكثر ارتباط بالأساسيات. التحركات الأخيرة نحو منطقة 5500 دولار ثم التراجع الحاد قبل الاستقرار حول مستوى 5000 دولار تشير بأن جزء كبير من المراكز القصيرة الأجل تم إخراجه من السوق ، ما يفتح المجال لمرحلة أكثر هدوء من حيث التذبذب وهو الوضع الافضل لبيئة الذهب.

على المستوى الهيكلي العوامل الداعمة للذهب لا تزال قائمة فاستمرار مشتريات البنوك المركزية وارتفاع مستويات الدين السيادي عالمياً واحتمال تراجع العوائد الحقيقية على المدى المتوسط إضافة إلى استمرار الطلب التحوطي في ظل بيئة جيوسياسية معقدة كلها عناصر تدعم النظرة الإيجابية بعيدة المدى. غير أن ما يبدو أنه يتغير هو وتيرة الصعود وليس اتجاهه.
المسار الفني طويل الأجل يقترح إمكانية الوصول إلى مستويات تقارب 6000 دولار خلال المرحلة المقبلة ، إلا أن هذا السيناريو المرجح لا يتطلب تسارع مشابه لما شهدناه مؤخراً. الأسواق نادراً ما تحافظ على وتيرة ارتفاع حادة لفترة ممتدة دون المرور بمراحل جني أرباح وإعادة تموضع. لذلك من المنطقي توقع تقدم تدريجي بوتيرة أبطأ يتخلله بعض التراجع الذي يعيد ضبط المتوسطات ويخفف من التمركز المفرط.
البيئة المثلى للذهب في هذه المرحلة لا تكون بيئة تقلبات مرتفعة انما في بيئة منخفضة التذبذب تسمح بعودة التركيز إلى الأساسيات الكلية. الصعود الهادئ المدعوم بعوامل هيكلية غالباً ما يكون أكثر رسوخ من القفزات السعرية الناتجة عن تدفقات مضاربية سريعة.
خلاصة القول إن الذهب اختبر مؤخراً الحدود العليا والسفلى لتوزيع عوائده ما يعكس مرحلة إعادة تسعير سريعة تبعتها عملية توازن. الاتجاه طويل الأجل لا يزال يميل إلى الإيجابية مع إمكانية بلوغ مستويات أعلى مستقبلا لكن بوتيرة أقل تسارع ومع فترات طبيعية من جني أرباح. العودة إلى بيئة تقلب منخفض وتركيز أكبر على العوامل الأساسية تمثل الإطار الأكثر ملاءمة لاستمرار الدورة الصاعدة.