
تدخل الأسواق العالمية هذا الأسبوع وهي توازن بين محورين رئيسيين ؛ الأول يتمثل في أجندة اقتصادية مزدحمة ستوفر إشارات جديدة حول مسار التضخم والنمو والسياسة النقدية ، والثاني يتمثل في تصاعد المخاطر الجيوسياسية وعودة ملفات الرسوم الجمركية إلى الواجهة ، ما يضيف ضبابية إلى المشهد الاستثماري.
ورغم أن أسواق الأسهم لا تزال تتداول قرب مستوياتها القياسية ، مدعومة بموسم أرباح قوي الى الان تجاوز خلاله عدد من الشركات التوقعات ، إلا أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية للمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية التي قد تضغط على التقييمات. ومن المرجح أن تحدد قرارات البنوك المركزية وبيانات التضخم والنمو، إلى جانب التطورات السياسية ، اتجاه شهية المخاطرة خلال الأيام المقبلة.

يبقى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الحدث الأبرز هذا الأسبوع ، حيث تشير التوقعات إلى تثبيت سعر الفائدة عند 3.5%. ولذلك ، لن يكون قرار الفائدة بحد ذاته محور اهتمام المستثمرين ، بل سيتجه الاهتمام إلى تصريحات رئيس المجلس كيفين ورش خلال المؤتمر الصحفي، بحثاً عن أي توجيهات بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية. كما ستراقب الأسواق ما إذا كان الفيدرالي سيشير إلى أن الضغوط التضخمية قد تصبح أكثر تعقيد في ظل استمرار ارتفاع اسعار النفط في ظل توترات هرمز.
وفي السياق ذاته ، من المتوقع أن يُظهر التقدير الأول للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي نمو سنوي بنسبة 2.3% خلال الربع الثاني ، مقارنة بـ2.1% في القراءة السابقة ، وهو ما يعكس استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي. وسيتابع المستثمرون أيضاً بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE)، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم، إلى جانب مؤشر أسعار الناتج المحلي الإجمالي وتكاليف التوظيف، لما توفره هذه البيانات من صورة أوضح حول مدى استمرار الضغوط التضخمية واحتمالات تعديل توقعات أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
كما ستوفر بيانات ثقة المستهلك ومطالبات إعانة البطالة الأسبوعية مؤشرات إضافية على قوة الإنفاق الاستهلاكي وسلامة سوق العمل الأمريكي.
في أستراليا ، تترقب الأسواق كلمة محافظة بنك الاحتياطي الأسترالي ميشيل بولوك، قبل صدور بيانات التضخم التي يُتوقع أن تُظهر استقرار معدل التضخم السنوي عند 4.0%، مع بقاء مؤشر التضخم الأساسي (Trimmed Mean CPI) دون تغيير أيضاً. استمرار الضغوط التضخمية قد يدفع البنك المركزي إلى الإبقاء على نهجه الحذر رغم تباطؤ الاقتصاد المحلي.
أما في أوروبا ، فستحظى بيانات النمو والتضخم في ألمانيا ومنطقة اليورو باهتمام واسع، حيث قد تؤثر أي مفاجآت صعودية في التضخم على توقعات الأسواق بشأن وتيرة تخفيف السياسة النقدية من قبل البنك المركزي الأوروبي.
وفي المملكة المتحدة ، من المتوقع أن يُبقي بنك إنجلترا أسعار الفائدة عند 3.75%، فيما ستتركز الأنظار على توزيع أصوات لجنة السياسة النقدية والتقرير الفصلي للبنك، بحثاً عن مؤشرات بشأن توقيت أي تغيير محتمل في السياسة النقدية.
وفي آسيا، يعقد بنك اليابان اجتماعه الدوري وسط توقعات بالإبقاء على السياسة الحالية، إلا أن الأسواق ستراقب عن كثب أي تلميحات حول استمرار مسار تطبيع السياسة النقدية ، نظراً لما قد يحمله ذلك من انعكاسات على أسواق السندات والعملات العالمية.
عادت قضايا الرسوم الجمركية لتشكل أحد أبرز مصادر القلق في الأسواق العالمية ، بعدما تجددت التهديدات التجارية وأعادت ملف التجارة الدولية إلى واجهة المخاطر الاقتصادية. فحتى في حال عدم تطبيق رسوم جديدة بشكل فوري ، فإن تصاعد الخطاب التجاري قد يؤدي إلى عودة اضطرابات حركة التجارة العالمية، وارتفاع تكاليف الواردات، وزيادة الضغوط التضخمية، وهو ما قد يعقد مهمة البنوك المركزية التي تحاول تحقيق توازن بين دعم النمو واحتواء التضخم.
في المقابل ، لا تزال التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تشكل أحد أهم مصادر المخاطر للأسواق العالمية. أسعار النفط لا تزال تتضمن علاوة مخاطر جيوسياسية ،ولو ان اسعار خام برنت افتتحت الاسبوع على بعض التراجعات، ولكن يظل استمرار مراقبة المستثمرين للتطورات في المنطقة عنصر محوري هذا الاسبوع. ويظل مضيق هرمز النقطة الأكثر حساسية نظرا لدوره المحوري في تجارة الطاقة العالمية ، بينما تسهم التوترات المستمرة في مناطق أخرى وفي باب المندب في رفع تكاليف الشحن والتأمين وتعزيز المخاوف بشأن سلاسل الإمداد العالمية.

يحمل هذا الأسبوع مجموعة من أهم البيانات الاقتصادية وقرارات البنوك المركزية بالاضافة الى اعلانات الارباح من اكبر شركات التقنية، ما سيمنح المستثمرين صورة أكثر وضوحاً حول قوة الاقتصاد العالمي واتجاه السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة ومدى نمو ارباح عمالقة السوق.
وفي الوقت نفسه ، فإن عودة التوترات التجارية واستمرار المخاطر الجيوسياسية يعنيان أن الأسواق ستظل مطالبة بالموازنة بين قوة الأساسيات الاقتصادية وارتفاع مستويات عدم اليقين. وإذا استمرت البيانات الاقتصادية في إظهار مرونة النمو مع استمرار تراجع التضخم تدريجياً ، فقد تواصل الأصول عالية المخاطر تلقي الدعم. إلا أن ارتفاع تقييمات الأسواق يجعل هامش الخطأ محدود ، ما يعني أن أي مفاجآت اعلانات الارباح أو تطورات جيوسياسية قد يكون لها تأثير يتجاوز نطاقها المباشر على حركة الأسواق.